مقدمة .. قراءة في ديوان “حانة ومانة” للشاعرة المغربية ابتسام حوسني – الأديب سامر المعاني – الأردن

216 views مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 22 ديسمبر 2016 - 12:05 صباحًا
مقدمة .. قراءة في ديوان “حانة ومانة” للشاعرة المغربية ابتسام حوسني – الأديب سامر المعاني – الأردن

مقدمة .. قراءة في ديوان “حانة ومانة”

للشاعرة المغربية ابتسام حوسني

 بعنوان “استحضار المشهد التاريخي في سرد الواقع”

الأديب سامر المعاني – الأردن 

الأديب سامر المعاني

    تبقى القصيدة النثرية مطالبة بالتجديد والخروج من التقليد والقيود في أدب القصيدة العربية، حيث قدمت للمتلقي من خلال نضوج الفكرة والمساحة السامقة التي ترتقيها المفردة والصورة الجمالية البلاغية الوصف الأشمل، والشعور الأرحب للكاتب غير معني بعزف على حساب المعنى وتوظيف المفردة غير المقيدة، وهذا ما ارتقت به الشاعرة المغربية ابتسام حوسني في ديوانها الثامن “حانة ومانة” بشكلها ومضمونها الحداثي، وخاصة أننا أمام شاعرة ملتزمة في قضاياها ولغتها وثقافتها النابعة من عقيدتها وموروثها الاسلامي والعربي .

    حانة ومانة في أربعين عنوانا بين العنوان المقتبس والتناص والحكمة المنتقاة، نجد أن العناوين في شكلها الطويل أحيانا أكثر ما يشدك في افتتاحية القصيدة التي ربما تكون جملة استعراضية أو حكمة أو مثل أو جملة مقتبسة، لها مدلولاتها وإشارتها الضمنية والرمزية في قصيدة أبطالها الفكر والوطن والحرية والكرامة، في مشاهد تصويرية وتمثيلية بنيت على آهات شاعرة ضليعة في نقل الحالة من الخصوص للعموم ، وأنين الروح جراح وطن وأمة حيث اللغة الجزلة، وبديع ومحاسن لغوية زينت فستان القصيدة بأجمل الحلل، والجملة الشعرية القادرة يكمن جمالها بتوظيف الحالة الشعورية باقتدار في رفض الواقع المرير، وندب الانكسارات الجمة في أمل شحيح وضبابية معتمة.
“أوطانا شهيدة
عدتها أيام أخر،
تشرب من دمنا
عيونها كثر
ما إن يجف نبع
يجري بدلا عنه آخر
يملأ روابينا بساتين زهر
يهفهف له نسيم إشبيلية
جوار حسان…”
إن المتأمل لقصائد حوسني يدرك بأن الحس الوطني والشعور القومي في فضاء الكاتبة لم يكن فقط إظهار قضية واستقطاب عواطف، بل كانت ابنة أوطان أتعبها الفساد والسطوة وأمة محاطة بأسوار الدم والقتل والاحتلال والحصار, لقد استطاعت الشاعرة حوسني أن تجعلنا نهيم في هذا الكون بين الحقيقة والزيف، والغموض والابهام، يقودنا الى أغوار الكلمات الناطقة بآهات اللجوء، وأنين الجوع، وزفير الحياة الملتهبة بالهموم، وغياب العدالة والنزاهة.
تأسرك حوسني في جمالية توظيفها لفكرها ولثقافتها الدينية في اقتناص الجملة في تكوين الحالة الشعورية في قصائدها, أنيقة الحرف وهائجة الصورة بين الإفصاح المبرر من هول المشهد والرمزية بالمقارنة وانطلاق المفهوم، كما تدهشك في حين آخر بالتشبيه المكشوف للقريب، والحالة المراد كشفها للبعيد.
يكمن مضمون الفكرة في قصائد الشاعرة حوسني التصاقها بالأرض والإنسان في تجلي الفكرة التي تبدو أحيانا كقصة عشق أو غرام يسكن وجنتيها، لكنها في كل مرة تمسح دمعها من عين الوطن وما يقترفه أصحاب النفوذ.
استطاعت حوسني أن تستعيد فينا إرث الأمة في ” الأندلس”-أسبانيا- في بعض الإشارات و” شيء مما جاء في الكتاب ! ” فهي تستشهد بانتصارات هذه الأمة ومكانتها وعمقها بنوع من استفزاز الحروف، التي تحمل نعش هواننا في قضايانا المهزومة في القدس وفي كل داخل فينا .
نعم لقد ابدعت الشاعرة ابتسام حوسني في نهل جمال وروعة القصص القرآني في توظيف فكرة الكاتبة بين المشهد الدنيوي المنافق والمتناقض كما في قصيدة ” مسيلمة يسقط عنا صلاتين مهرا لسجاحه ! ” ومن هنا نجد قصة النبي يوسف عليه السلام تأخذ مساحة في العديد من القصائد في الديوان من حيث تصوير المشهد كإشارة أو استعراض، وهذا ما جعلها تختار عنوانا لحادثة مشهورة عبر التاريخ بين المفارقة والأنا التي أدت الى أن يدفع الثمن الحبيب والمعشوق .
وتعيد الشاعرة سلسلة من الأحداث التاريخية والإسلامية في مثال لنقل عامل الزمن بين الحدث المتناقض والحدث المتشابه ممثلا بقصيدة ” الجالسون على الرصيف … ” وقصيدة ” على الرأس تحلق الطير ” وغيرها , كما استطاعت الشاعرة ومن ثقافتها التاريخية الواسعة والعمق الفكري للأحداث والرموز الدينية والعربية عبر المراحل الزمنية والتاريخية وتوظيف الأسماء كدلالات وإشارات الى المقاربة الزمانية والمفارقة المكانية والحدث الاصيل والحدث المتوقع والحدث المتزامن والنتيجة الاكيدة والمصير, ففي قصيدة ” الحليب يخرج من فم الفرعون ! ” تقول :
لموسى في خروجه الأول
ثلاث عبر :
الأولى أن ينجي شعب الله المختار
من عبث قدر
ينسف ما صنع الأجداد
منذ عصور خلت
و هي تنتظر نزول مهديها المنتظر،
و الثانية ميلاد جديد
لنكسة كبرى
قد نؤجلها مرة أخرى
عدة من أيام أخر …
إن اكثر أنواع التناص المستخدم في ديوان حانة ومانة هو الإمتصاص، حيث طرح المادة التاريخية وربط الحاضر بالماضي والبناء على الأحداث والقصص في جوهر الحدث المتأزم في وقتنا الحاضر من ظلم واستيطان وخلل اجتماعي وقيّمي, كما استطاعت الشاعرة حوسني باستخدام التحوير بقدرة فائقة ودهشة ماتعة من حيث التأويل وقلب المشهد بفتح أبواب الاستفسارات والحوار الذاتي في مفارقة المشهد
“لامرأة العزيز
أن تخرج الآن فينا
و أن تعلن في المدائن
براءة يوسف المسكين
و أن قميصه قد من دبر
غواية شيطان
يسكن فينا ! ”
تألقت الشاعرة في استحضار الألقاب والأسماء، وتناقلت بها بين المشهد التاريخي المتلاصق بها والرمزية المعترضة له الذي يتجدد مع مرور الزمن الحاضر والحالة التي استحضرته كشاهد على الواقع ربما بهيئته وربما بصفاته الكلية او الجزئية، فكان ( العزيز , النبي , الحاكم , العزيز , مسيلمة , حمالة الحطب ,ملكة , خليفة, يوسف , أبرهة بني عبس ,. زليخة , حجاج , فرعون , غسان … وغيرها ) لم يكن الاسم وهو ما ذكر من خلال القران الكريم أو التاريخ الإسلامي إلا أن يعيد الينا تتبع الجيني للفكر والثقافة العربية ما بين السلطان وادارته للسلطة، وما بين السلطان وشعبه الذي تبلبل بالخوف والانهزام على مر الحقب المتعاقبة، فكان استحضارها إما لنقل الجور والتعسف أو للمشاهد الإنسانية التي تم بها اللغط والظلم لتمرره الى مصير أمة تتهاوى نحو القاع بالجهل والخنوع والخضوع.
ديوان حانة ومانة للشاعرة المغربية ابتسام حوسني ديوان شعري يحمل عنوان القصيدة حانة ومانة تترجم فيه الشاعرة جل تصوراتها للديوان بين واقع الحياة التي نعيشها، وتراميها وشوائبها باستحضار السطوة واركانها التي تبطش بنا وهي تعيش بنعيم وما طاب من لهو وفجور، يقابلها شعوب ترضخ على حافة الحياة بين الفقر والجوع والخوف من كل شيء .
سامر المعاني – الأردن

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات